في كل مرحلة من مسيرات الدول تظهر لحظات مفصلية تختصر رؤاها وتكشف عمق توجهها نحو العالم، لحظات تُجسّد طموح وطن، وتؤكد قدرته على تحويل رؤاه إلى مبادرات تصنع أثراً يتجاوز الحدود.وبالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة تجلّى هذا الحضور الدولي حديثاً في مشهدٍ بارزٍ على منصة قمّة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا، حين أعلن سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إطلاق مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» بقيمة مليار دولار، في خطوة نقلت العمل التنموي من دعم تقليدي إلى مسار جديد يضع أفريقيا على عتبة تحول رقمي واسع.
والمبادرة ليست حدثاً عابراً ولا إعلاناً بروتوكوليّاً عن تمويل مشروعات تقنية فحسب، بل بيانٌ استراتيجيٌّ يرسّخ رؤية دولة الإمارات شريكاً تنموياً فاعلاً، ومصدراً للمعرفة، وصانعاً لمستقبل تُسخَّر فيه التكنولوجيا لخدمة الإنسان قبل أي شيء آخر، كما تمثّل أيضاً انتقالاً واعياً من مرحلة «بناء الأسس» إلى مرحلة «بناء المستقبل».
وتُعد هذ المبادرة جزءاً من منظومة الدعم ضمن المساعدات الإماراتية الخارجية، فمنذ عام 1971 قدّمت دولة الإمارات أكثر من 360 مليار درهم على شكل مساعدات تنموية، منها أكثر من 152 مليار درهم لأفريقيا وحدها؛ أي ما يزيد على 40 في المئة من إجمالي هذه الإسهامات، في واحدة من أعمق الشراكات التنموية في العالم.
واليوم تتقدّم دولة الإمارات خطوة جديدة عمادها نقل المعرفة، وتمكين الذكاء الاصطناعي، وتوفير أدوات المستقبل المستدام. ومن هذا المنطلق لا تُعنى المبادرة بتوفير حلول ذكية فحسب، بل بتأسيس منظومة ترفع كفاءة التعليم أيضاً، وتعزّز الإنتاج الزراعي، وتدعم البنية التحتية الرقمية، وتطور آليات تقديم الخدمات الصحية عبر التحليل والتنبؤ، بما يعالج التحديات التقليدية من جذورها، ويبني قدرات طويلة المدى.
ولأن التنمية مسؤولية تتشاركها المؤسسات جاء حضور مكتب أبوظبي للصادرات «أدكس» في قمة العشرين ليعكس هذا النهج؛ فالمكتب التابع لصندوق أبوظبي للتنمية، وبالتعاون مع وكالة الإمارات للمساعدات الدولية، يتولّى تنفيذ الجانب التمويلي للمبادرة، بتوفير آليات تمويل مرنة لتمكين الدول الأفريقية من الاستفادة من حلول تقنية إماراتية متطورة، وفي الوقت نفسه يتيح للشركات الوطنية التوسع في أسواق الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية.
وبهذه المقاربة يصبح الاستثمار موجهاً لبناء «القدرة» المستدامة، لا لتغطية «الاحتياج» الآني، وفي المستقبل لا في الحاضر فقط؛ انسجاماً مع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 التي ترسّخ مكانة دولة الإمارات مركزاً عالمياً في توظيف التكنولوجيا للتنمية.
ويمثّل هذا النموذج، الذي يربط التمويل بالتكنولوجيا والشراكات الدولية، استراتيجيةً إماراتية متقدمة للتنمية تُركّز على بناء القدرات وتمكين الاقتصادات من النمو بمرونة كبرى؛ فالمبادرة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته أداة تقنية فحسب، بل جزءاً من رؤية أخلاقية أيضاً تؤمن بأن العدالة الرقمية امتداد طبيعي للعدالة التنموية، وأن التكنولوجيا يجب أن تفتح باب الفرص لا أن تُغلقه.
وبين الإرث الإماراتي العريق في دعم أفريقيا، وتوجّهها المستقبلي نحو الابتكار، يتشكّل مسار جديد يعيد دمج القارة في الاقتصاد الرقمي العالمي، ويمنحها القدرة على بناء حلولها الذاتية؛ فالمبادرة تضع أساساً لمستقبل تُدار فيه التنمية ببيانات دقيقة، وبِنى رقمية أكثر صلابة، ومجتمعات أكثر قدرة على التمكين.
وهكذا تواصل دولة الإمارات، برؤية قيادتها، دورها الريادي في صياغة نموذجٍ يجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية، ويحوّل الشراكات إلى جسورٍ تُبنى عليها آفاقٌ جديدة من الأمل والازدهار.
سعادة/ محمد سيف السويدي
*مدير عام صندوق أبوظبي للتنمية، ورئيس اللجنة التنفيذية لمكتب أبوظبي للصادرات.


